Sailing in Turkey - الإبـحار في تـركيا

في نهاية صيف ٢٠٢٠ وتحديداً بداية شهر سبتمبر كان العالم تحت وطأة فايروس كورونا، ومع عودة فتح المطارات  تدريجياً قررنا المخاطرة والسفر إلى تركيا أنا وأصدقائي، طبعاً كانت لدي العديد من خطط السفر والإبحار باليونان وغيرها لكن مثلي مثل غيري تبخرت الخطط بسبب الوباء ولذلك قررت أن تكون هذه الرحلة مميزة جداً عن طريق استئجار يخت شراعي وتجربة الإبحار بالأجواء التركية

إخـتيار مـنطقة الإبـحار

كعادتي بتخطيط رحلاتي خاصتاً في رحلات الإبحار دائماً ما أقوم بالاطلاع على العديد من المقالات والتجارب التي تخص نفس المنطقة التي أود الإبحار فيها بالإضافة إلى دراسة أدق التفاصيل سواء للمناطق البحرية أو المدن الساحلية وإعداد أكثر من خطة لذلك وجدت أن الإبحار في المناطق الجنوبية من تركيا تعد الأفضل وأقصد بالجنوب هنا محيط مدينة فتحية Fethiye وصولاً إلى مدينة كاش Kas حيث الطبيعة البحرية الجميلة والمياه الكريستالية والمدن الساحلية الساحرة، لذا كانت نقطة البداية هي مدينة كوجيك Gocek

خـط سـير الـرحلـة

من كوجيك Gocek كانت البداية، هذه المدينة الساحلية الجميلة والهادئة تعتبر مركز الإبحار في هذا الجزء من تركيا حيث تتواجد العديد من المارينات وشركات اليخوت، فهي تعطيك الفرصة للإبحار شمالاً حتى مرمريز أو التجول في خليج فتحية أو الإتجاه جنوباً حتى مدينة كاش

كوجيك Gocek مدينة صغيرة تعتبر تابعة لفتحية يخدمها مطار دلامان Dalaman Airport بها العديد من الفنادق الفخمة مثل Rixos Premium وأيضاً D-Resort والعديد من الفنادق الرائعة والمطاعم اللذيذة مثل Kebap Hospital  و  Kalamaris والمقاهي بكل زاوية والمحلات التجارية، إقامتنا فيها كانت ليلتين حتى موعد انطلاقتنا من مارينا ترك MarinaTurk Village port

الـيـخـت

رغم جائحة كورونا وتأثيرها على انخفاض أسعار تأجير اليخوت حول العالم إلا أنها ظلت متماسكة هنا في تركيا بسبب رفع القيود على السياح القادمين لها مما أدى إلى زيادة الطلب خصوصاً مع توقف السياحة البحرية باليونان وكرواتيا وإيطاليا، بحثت مطولاً عن اليخت المناسب لرحلتنا هذه ومناسب لخمسة أشخاص والأهم من ذلك كله أن يكون مناسباً لخبرتي البسيطه في عالم اليخوت حتى استقريت على اليخت الرائع من شركة Hanse الألمانية بحجم 41 قدم موديل 2019  يحتوي على ثلاث كبائن وحمامين ومطبخ وطاولة طعام، اليخت مجهز بالكامل وتم صنعه بطريقة تجعل عملية التحكم بالأشرعة أكثر سهولة ومرونة.. كان اختياراً موفقاً

 اليوم الأول

بعد توقيع عقد التأجير وأخذ جولة داخل اليخت مع أحد موظفي الشركة لمعرفة محتوياتة وأجهزته وكل التفاصيل الضرورية الخاصة بالإبحار أو للطوارئ حتى انتهينا وتسلمنا اليخت جاهزاً ومليء بالوقود والماء، بعدها اتجهنا مباشرة إلى السوبرماركت القريب منا للتزود بالمؤن وما لذ وطاب لرحلة مدتها أسبوع تبدأ من يوم السبت كما هو متعارف عليه بعالم اليخوت، عصراً كنا قد ركبنا اليخت ووزعت المهام على أصدقائي بعد إعطائهم محاضرة بسيطة عن الإبحار كونها تعتبر التجربة الأولى لهم باليخوت الشراعية، بعد أخذ الموافقة عبر اللاسلكي من سلطات الميناء انطلقنا إلى وجهتنا الأولى وعلى استعجال خوفاً من دخول الليل حتى وصلنا إلى أحد الشواطئ المخفية ”Hidden Bay“ في خليج Boynuz Buku ، حين توقفنا تماماً كان الليل قد خيم علينا عندها بدء صديقي هاني الموسوي بإعداد وجبة العشاء وبدأت أمسيتنا الجميلة مبكراً

اليوم الثاني

صباحاً وبعد إفطار خفيف بدأنا بالتحرك والإبحار نحو فتحية Fethiye وتحديداً إلى ميناء Ece Marina والذي يعتبر الميناء الرئيسي في خليج فتحية، وتبعد المسافة ١٢ ميل بحري أي ما يقدر بساعتين بأسوأ الحالات لهذا النوع من اليخوت، وكعادتنا أو كما هو متعارف عليه عند أهل اليخوت فإنه دائماً ما نتوقف بمنتصف الطريق في أحد الخلجان أو الشواطئ أو الجزر الصغيرة أثناء الطريق للسباحة والاستمتاع والغداء ثم تستكمل الرحلة لوجهتها النهائية لذا وأثناء ابحارنا إلى فتحية توقفنا بجزيرة Kizil الغير مأهولة للاستمتاع بالسباحة وحولنا العديد من اليخوت منهم من يبات الليل هنا ومنهم من سيكمل إلى وجهة أخرى لاحقاً، بعد قضائنا لساعتين من الإستجمام بهذه الجزيرة اكملنا رحلتنا إلى فتحية  حتى وصلنا مدخل المارينا وانتظرنا مطولاً موافقة سلطات الميناء للسماح لنا بالرسو، بعد الإنتهاء من إجراءات الروتينية قررنا السكن بأحد الفنادق المطلة على الميناء حيث توجد العديد من الفنادق الراقية والفخمة بهذه المنطقة، عند حلول المساء أخذنا نتجول بين أزقة المدينة حتى وصلنا إلى السوق القديم المسقف ثم تناولنا العشاء في أحد مطاعم سوق السمك Balik Pazari حيث يقوم المطعم بشوي وطبخ السمك الذي قمنا بشرائه مباشرة، أخيراً ختمنا ليلتنا بمقهى صغير يقدم البقلاوة والشاي وأحاديث لطيفة مع صاحب المقهى

 اليوم الثالث

أفطرنا وتوكلنا على الله صباحاً بالانطلاقة من فتحية إلى خليج Akvaryum Koyu في رحلة مسافتها  ١٤ ميل بحري أي ما يقارب الثلاث ساعات، ما يميز هذا الخليج هو وجود مطعم يخدم اليخوت Katacaoren Restaurant ويوفر أيضاً مرابط آمنة مثبتة بالقاع ولضمان حصولنا على مربط توجب علينا الاتصال بهم وتأكيد حجزنا وموعد عشائنا حيث أنهم لا يسمحون بإستخدام مرابطهم إلا إذا وافقت على تناول الوجبات التي يقدمونها سواء الغداء أو العشاء لأنه مصدر الدخل الوحيد لديهم، وصلنا عصراً وكنا مرهقين من الرحلة وبمجرد ربط اليخت قفزنا للسباحة واستمتعنا بأجواء الغروب لحين موعد العشاء حينها أتانا أحد أبناء صاحب المطعم بقارب خشبي صغير لنقلنا إلى معقل العشاء والجميل بالأمر أن جميع العوائل ورواد اليخوت تجدهم هنا والجميع سعداء وتراهم يتبادلون أطراف الحديث ثم القليل من الرقص على أنغام الموسيقى الشعبية فلكم أن تستشعروا الأجواء العائلية السعيدة، بعد العشاء اللذيذ رجعنا لليخت واستلقينا لمشاهدة السماء المرصعة بالنجوم مع أحاديث جانبية تتسيدها القهوة العربية

اليوم الرابع

في هذا اليوم استيقضنا متأخراً لأن وجهتنا التالية قريبة جداً وتُُرى بالعين ألا وهو شاطئ أولودينيز الشهير Oludeniz Beach والذي يبعد عنا ٤ ميل بحري أي ٤٠ دقيقة بالإبحار، توجهنا مباشرة للشاطئ الكبير وأخذنا نبحث عن موقع مميز وآمن لرسو اليخت حتى وجدنا البقعة المناسبة وبلا مقدمات قفزنا للسباحة والاستمتاع بمنظر الباراشوتات وهي تتطاير من حولنا في السماء، نعم هذا هو سبب شهرة شاطئ أولودينيز! تجربة القفز بالباراشوت الباراغلايد Paragliding، بعد السباحة والاستمتاع بأجواء الشاطئ قمنا بتفريغ المحتويات الخارجية لليخت وتخزينها بالداخل وتأمين اليخت وإحكام اقفالة وذلك لأننا قررنا قضاء اليوم وتلك الليلة بالمدينة والنوم بأحد فنادقها وانتظرنا قليلاً حتى أتى التاكسي المائي ليقلنا إلى الشاطئ، بعد وجبة الغداء بأحد المطاعم استرحنا قليلاً بالفندق، لاحقاً أخذنا نتجول بالمدينة الشاطئية الصغيرة الجميلة وقررنا الجلوس في أحد المقاهي المطلة على البحر واليخت أمامنا يتراقص مع الأمواج في لحظة غروب ساحرة، لم نغادر هذا المقهى المريح حتى موعد العشاء

اليوم الخامس

لم أشأ مغادرة أولودينيز دون تجربة الباراشوت لذا إستيقضت مبكراً لإيجاد الشركة المناسبة  وأيضاً حتى لا نتأخر عن موعد مغادرتنا باليخت، وتحركنا في الساعة ٩ صباحاً بالباص الصغير صعوداً  حتى وصلنا لنقطة التجمع بقمة جبل Babadag  حيث المنظر البانورامي الرهيب للجبال والقرى الصغيرة المتناثرة والبحر الممتد حتى الافق، تجهزنا وقفزنا من حافة الجبل وهاهنا يتجلى شعور الطيران أن تحلق بهدون كالطير دون هدير المحركات ماعدا صوت الرياح والطبيعة، تجربة رائعة لاتنسى وختامية بهذه المدينة المحبوبة، قبيل الظهر بدأنا رحلتنا الطويلة إلى الجنوب حيث قرية كالكان Kalkan والتي تبعد ٣٠ ميل بحري أي مايقارب الخمس ساعات من الإبحار، كانت الأجواء جميلة ومشمسة ونسيم البحر العليل يسايرنا ثم يفاجئك الشف هاني بوجبة غداء لن تتكرر، وصلنا كالكان عصراً منبهرين من أناقة منظر القرية التي أسرتنا بجمالها حتى قبل أن نتسكع فيها وكنا محظوظين بالحصول على موقف لليخت نظراً لصغر حجم الميناء، كُنت آخر من يغادر اليخت متجهاً إلى الفندق الذي يقع بأعلى التل، وأنا أمشي بين الأزقة صعوداً تذكرت اليونان وجزرها وأزقتها وحنيني إليها! كم تشبه أجواء كالكان معظم جزر اليونان وفعلاً تاريخيا كانت هذه القرية ذو غالبية يونانية حتى الحرب العالمية الأولى حيث غادرها أهلها بعد اتفاقية تركية يونانية لتبادل شعوبهم! وصلت فندقنا Pier House وإذا هو تحفة فنية راقية بإطلالة ساحرة على الميناء ومنظر الغروب، كانت أجمل مراحل رحلتنا كلها هي كـالكـان

اليوم السادس

بعد قضاء يوم رائع بالأمس في كالكان هذه القرية البسيطة ذات العبق اليوناني وقبيل مغادرتنا لها أخذنا نتجول بأزقتها الضيقة حتى وجدنا ذلك المقهى الصغير الذي يقدم الآيسكريم والقهوة كانت فعلاً استراحة منعشة، ثم توجهنا إلى السوبرماركت للتزود ببعض النواقص لرحلة العودة إلى الخليج الصغير ذو المطعم والذي رسونا فيه باليوم الثالث، ٣٠ ميل بحري هي المسافة أي مدة خمس ساعات من الإبحار وتشير أحوال الطقس إلى هبوب رياح غربية عالية مما يتيح لنا فرصة الإبحار بأجواء حقيقية نوعاً ما! ركبنا اليخت قبل الظهر وودعنا كالكان وأبحرنا ببطئ حتى خرجنا من الخليج إلى البحر المفتوح وفعلاً بدأت الرياح تزداد شيئاً فشيئاً ومع ارتفاع الموج اضطررت إلى تقليل كمية الأشرعة أي قمت بإستخدام الشراع الرئيسي فقط حتى أخفف من حدة ميلان اليخت مع ذلك كان إبحاراً رائعاً وحقيقياً واستمرينا على هذا الحال للساعات الثلاث القادمة إلى خفت الرياح تدريجياً منتصف العصر، اتصلنا بصديقنا مالك المطعم والذي كان سعيداً بعودتنا ثانية، ووصلنا هناك قبل الغروب مرهقين من أحداث العاصفة الصغيرة وأخذنا نستمتع بالسباحة والأجواء الهادئة حتى جاء موعد العشاء ثم سهرة خفيفة وجميلة ليلاً على متن يختنا الجميل    

اليوم السابع … الأخير

كونه اليوم الأخير يعني الإستمتاع بكل لحظة، نعم فقد أفقت مبكراً لأخذ جولة  حول الساحل بالتجديف على ظهر القارب الصغير ثم لاحقاً بدئنا بإعداد الإفطار والقهوة والقيام بالتصوير واخذ عدة لقطات جوية، غادرنا خليج Akvaryum Koyu قبل الظهر متوجهين إلى وجهتنا الأخيرة كوجيك Gocek حيث المرسى الذي انطلقنا منه والذي يبعد عنا مسافة ١٦ ميل بحري أي ساعتين ونصف من الإبحار، ومن حسن حظنا عند وصولنا للمارينا أنه لم يكن مزدحماً حيث أنني حرصت على الوصول مبكراً وذلك لضمان سرعة تعبئة الوقود قبل تسليم اليخت وهذه من شروط الاستئجار، لاحقاً أوقفنا اليخت بالمرسى وجاء موظفي الشركة لعمل الفحص الكامل والتأكد من سلامة اليخت حتى نستطيع استرداد مبلغ التأمين والمغادرة، جرت الأمور بكل سلاسة وسهولة وغادرنا المارينا للإقامة بأحد فنادق مدينة كوجيك، هنا تنتهي هذه المغامرة الرائعة في زمن استثنائي..زمن الكورونا

 

أهدي هذه المدونة إلى أحبابي أصدقاء الرحلة والتي من دونهم ماكانت لتكون بهذه الروعة والاستثنائية!       من اليمين يوسف المطاوعة - هاني الموسوي - يوسف الراشد - علي الموسوي