الـغُـربـة.. حَـديث الــروح

كتبها مـعـاذ العـصفـور - الكويت
يقول الشيخ ثابت توفيق: الرجل بالغربة غني مادياً، ومحسود مالياً، ومنسي اجتماعياً، وتعبان نفسياً، ومشغول ذهنياً، ومحطم عاطفياً، يرى اهله سنوياً،  يشاركهم الاعياد هاتفياً، ينقص من عمره يومياً،هكذا هي حياته كلياً.                 
حينما يبتعد الانسان عن أهله سواءً بإختياره أو بالإجبار يصبح صديقه أخوه وجليسه إبن عمه وزميله إبن خاله، المسلم لديه قريب ومن يتحدث بلغته حبيب، يكونون له أهل وقرابة ويبادلهم هو نفس هذا الشعور، حينما يشاطر هذا الصديق لقمة العيش  ويجالسك لفترات طويله تشعر معه بالأمن والأمان، حينما تطلعه على اسرارك ويعيش معك اللحظة بكل تفاصيلها تشعر معه بالراحة والانسجام.                                                                          
نعم انها الغربة تتغير فيها المفاهيم وتتبدل فيها الأحوال، تجعل القريب بعيد والبعيد قريب، تذوب فيها الفوارق العمرية فلا فرق بين صغير و كبير بالعمر ويصبح الفارق الرئيسي والأساسي هو ماتحمله من قيم ومبادىء ومفاهيم عن الحياة والقدرة على التعايش مع الآخر، لذلك الغربة أياً كانت أسبابها تحرك بداخلك المياه الراكدة وتبعث فيك الحياة من جديد تكتسب فيها قيم ومعاني جديدة  تجعلك على اطلاع على عادات وتقاليد شعوب لم تكن لتعرفها لو لا أنك عشت بينهم وخالطتهم.
الغربة... تعني البعد والحرمان فالبعد قاسي على النفس والحرمان قاسي على الروح فالنبي لما هاجر من مكة إلى المدينة قاسى كثيراً ولما تركها وهاجر إلتفت إليها وقال (( ما أطيبك وأحبك إليّ، ولولا أن قومك أخرجوني منك ما سكنت غيرك))صححه الألباني.                                                                                                 
الغربة... وأقسى أنواع الغربة هي التي لا تعلم متى تعود منها فمن يغترب للدراسة أو العلاج أو للتجارة فهذا يعلم متى سيعود لوطنه الأم متى ما أراد لكن من تقطعت به السبل وترك بلاده مجبراً غير مخير إما لمشاكل داخليه او لأحكام قضائية أو هروباً بدينه من بطش الآخر فهذا قد وقع بغربة مؤلمة جداً على الروح والجسد.
إلتقيت بأحد الإخوة من أحد الدول التي حصلت فيها الثورات مؤخراً فقال لي أنه كان أمام خيارين إما أن يَقتل دفاعاً عن نفسه أو سيُقتل بيد الثوار فقرر الخروج وترك كل مايملك فراراً بنفسه وكان يبكي أمامي وهو يتحدث معي عن واقعه الان حيث أصبح لا يملك شيء من الدنيا والأمثلة على ذلك كثيرة، لذلك الغربة قاسية ومؤلمة لمن أجبر عليها، فلا غنى للإنسان عن وطنة الأم حتى لو قسى عليه الزمن يقول الشاعر:
بلادٌ ألفناها على كل حالةٍ وقد
 يألف الشيء الذي ليس بالحسن
ونستعذب الأرض التي لاهواء بها
ولا ماؤها عذب ولكنها  وطن                                                                                                     
نعم انها وطن الذي نشأت وترعرعت فيه حتى كبرت حتى أن أدباء المهجر كـإليا أبوماضي وجبران خليل جبران كانا يطلبان ان يدفنا في بلادهم إذا وافتهم المنية، مع انهما عاشا اغلب فترات حياتهم بعيدان كل البعد عن بلادهم لكن الحب والحنين باقي ولا يتزحزح.                                                                                              
ختاماً :
حاول أن تعيش مع خالقك وتعمل جهدك لإرضائه، وهو سيسعدك أينما كنت غريب أو قريب.                              
للإطلاع على مزيد من الصور والتوثيق للرحلات الخاصة بإيمان تفضلوا بزيارة صفحته على الانستقرام

Leave a comment